تحالف الأقليات… والباقيات الصالحات…

كلنا شاهد تلك “الفزعة” التي بموجبها تقاطرت جموع من كل حدب وصوب باسمها للهجوم على السويداء، ونداء بطلب الثأر، من وجود لطالما كان له بصمة في مقارعة المحتل الأجنبي وامتداده، منذ مئات السنين في جبال شاهقة وصعبة…

تلك الأحداث ليست الأولى، لكنها صورة طبق الأصل عمّا حصل في جبال العلويين، والذين هم – بالمناسبة – امتداد لتلك الجبال التي ذكرتها، ويشاركونها نفس التاريخ.

عند انطلاق الثورة العربية الكبرى، التي قادها الزعيم سلطان باشا الأطرش، كان الرافد لتلك الثورة المكون ذاته، والفزعة ذاتها، لكن شتّان ما بين فزعة اليوم وفزعة الأمس!

تحالف العلويين والدروز والسنّة وثوّار الأحرار في تلك الحقبة، دحر الاحتلال الفرنسي والعثماني، وأثخنوا الغزاة بالكثير من الجروح، وتركوا بصمات مشرّفة في جبين هذه الأمة…

من منّا لم يسمع بخالد العظم، ذلك القائد الذي رفض غطرسة الفرنسي وتحدّيه، ومقولة قائده الجنرال غورو على ضريح صلاح الدين: “لقد عدنا يا صلاح الدين”، وكان يقصد بعودة الصليبيين بعد أن دُحروا عن بيت المقدس…

أبى خالد العظم، وقاتل حتى استُشهد في معركة ميسلون مع ثلة من الأبطال، بعد أن رفضوا الاستسلام…

هذا التاريخ لا يمكن فصله الآن! فتاريخ بلاد الشام يشهد أنّه عند دقّ ناقوس الخطر، كانت الفزعات تأتي من جنوب لبنان إلى شمال سوريا، ومن العشائر الحمادية في البقاع إلى السويداء في الجنوب السوري…

هذه الثورة التي ذكرتها، كان لعشائر البقاع فيها دور كبير، فقد شاركوا مع أدهم خنجر في الجنوب بقيادة الشيخ علي حمد حمادة، وثورة بيت جعفر والعشائر، في توفير الدعم بالعتاد والرجال، وأبلوا بلاءً حسنًا في المعارك.

إن هذا الامتداد بين الأقليات والمكوّن الأكبر، السنّي، كان دائمًا يمثل قوة حقيقية وتلاحمًا، أثبت في الماضي متانته وحصانته وضمانه…

اليوم، نحن نشوّه ذلك التاريخ، بتهميش الأقليات، وإجبارهم على اللجوء إلى خيارات لا تنسجم مع تاريخهم ومعتقداتهم.

إن ما يحصل اليوم سيؤول إلى التحلّق حول تحالف الأقليات في المنطقة، لاستشعارها بالخطر الوجودي. وهذا ما تخطّط له إسرائيل! لخلق كيانات غير متجانسة ومتفرّقة.

هذا المخطط جاهر به رئيس الوزراء الإسرائيلي علنًا وصرّح به… وما كتابه سوى دليل على ذلك.

هنا يجب أن نعي كيف أن المنطقة ذاهبة إلى كانتونات ضعيفة، وتفسّخ مجتمعي، وتصحر قومي!

بحيث تخضع لحمايات مزيفة، لا تنشد سوى حفظ رأسها وحماية مكوّنها…

نحن قادمون على حقبة مظلمة! إن لم ندرك خطورتها، فلن يبقى ما نعرفه الآن من كيانات وأوطان رُسمت وحدّدت لها خرائط…

ولن يبقى سوى الباقيات الصالحات…
الصحافي سعد فواز حمادة