بينما يشتعل فتيل المواجهة في مياه الخليج والبحر الأحمر، بدأت تظهر “حرب باردة” من نوع آخر خلف الأبواب المغلقة في أروقة حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب لم يضرب فقط شريان الطاقة العالمي، بل ضرب في مقتل وحدة الموقف الغربي، واضعاً إدارة الرئيس دونالد ترامب في مواجهة دبلوماسية حادة مع حلفائه الأوروبيين الذين يجدون أنفسهم اليوم بين سندان “التبعية لواشنطن” ومطرقة “الانهيار الاقتصادي”.
تبنى البيت الأبيض منذ مطلع مارس الجاري نبرة “خشنة” تجاه القارة العجوز، حيث يرى الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة، بفضل طفرة الإنتاج المحلي (Drill Baby Drill)، تمتلك حصانة نسبية تقيها شر الانهيار، بينما تظل أوروبا هي المتضرر الأكبر من توقف تدفقات الغاز والنفط. وفي تصريحاته الأخيرة، وضع ترامب الأوروبيين أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانخراط العسكري الكامل في “عمليات تأمين الممرات” تحت قيادة واشنطن، أو تحمل تبعات الركود الاقتصادي بمفردهم دون “مظلة حماية” أمريكية مجانية.
على الجانب الآخر، يرى القادة الأوروبيون -بقيادة فرنسا وألمانيا- أن النهج التصعيدي لواشنطن هو “صب للزيت على النار”. فبالنسبة لبروكسل، الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة مع طهران وحلفائها يعني رصاصة الرحمة على ما تبقى من الصناعة الأوروبية، خاصة بعد قفزة أسعار الغاز المسال إثر تعطل الناقلات القطرية وتجاوز سعر برميل النفط حاجز الـ 120 دولاراً. أوروبا اليوم ترفض أن تكون مجرد “تابع عسكري” لخطط ترامب التي قد تؤدي لحرب شاملة لا تخدم المصالح الحيوية للقارة التي تعاني أصلاً من تضخم تاريخي.
وتشير التقارير الواردة لـ “ميدان برس” إلى وجود قنوات اتصال “أوروبية-إيرانية-عمانية” نشطة حالياً، تسعى للتوصل إلى “اتفاق تقني” يفتح المضايق أمام ناقلات الطاقة والغذاء كاستثناء إنساني وتجاري، بمعزل عن الشروط السياسية التي تفرضها واشنطن. هذه التحركات تثير حنق البيت الأبيض الذي يعتبرها تقويضاً لاستراتيجية “الردع القصوى” ومحاولة أوروبية للعب دور الوسيط المستقل بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.
إن إغلاق المضايق كشف حقيقة أن “الأمن الطاقي” هو الذي يحدد الولاءات اليوم، وليس التضامن الأيديولوجي. وإذا استمر هذا الشلل في الممرات المائية حتى منتصف أبريل المقبل، فقد نشهد انقساماً رسمياً غير مسبوق في المواقف الغربية؛ حيث قد تضطر العواصم الأوروبية لكسر العقوبات الأمريكية علناً أو الدخول في صفقات طاقة منفردة لتأمين بقاء شعوبها بعيداً عن شتاء اقتصادي وسياسي قارس، مما يضع مستقبل حلف الناتو نفسه على المحك.
الاعلامي حسين الحاج رئيس تحرير ميدان برس