في حضرة الأعمدة الخالدة، بين صدى التاريخ وهمس الأبد، وقفت “كارمن” تُغنّي للحرية، وتُحاكي الشرق بلغةٍ عالمية، على مدرّجات معبد “باخوس” في قلعة بعلبك… هناك حيث لا يسقط الفنّ مهما اشتدّ الظلام.
افتتاح مهرجانات بعلبك الدولية 2025 لم يكن حدثًا فنيًّا عابرًا، بل وقفة تحدٍّ ضد العزلة والخذلان، وصرخة جمالية في وجه الموت البطيء. أوبرا “كارمن” لم تُقدَّم كمجرد عرض أوبيرالي، بل كانت أيقونة مقاومة ناعمة، رافعة راية الجمال في زمنٍ شاحب.
جدران القلعة، التي احتضنت على مدى عقود أعظم الأصوات والملاحم، تنفّست من جديد مساء أمس مع أولى ليالي المهرجان، بمشاركة استثنائية من وجوه الدولة، والديبلوماسيين، ورموز الثقافة والمجتمع.
الحضور كان على قدر الحدث، بأناقته ورمزيّته. تقدّمتهم السيدة الأولى نعمت عون ممثلةً فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وإلى جانبها دولة الرئيس نواف سلام وعقيلته، نائب الرئيس طارق متري، والوزراء بول مرقص، كمال شحادة، لورا الخازن، تمارا الزين، عامر البساط، حنين السيد، وعدد من النواب والسفراء والشخصيات الرفيعة، في مشهدٍ عكس صورة مشرقة عن لبنان الحيّ رغم كل العوائق.
وفي كلمةٍ مؤثّرة، ألقت رئيسة لجنة المهرجانات السيدة نايلة دي فريج خطابًا تماهى فيه الألم مع الأمل، قائلة: “نعم، نحنُ مُستمرّون، حتى حينَ تسقطُ الضَرباتُ الإسرائيلية في محافظة بعلبك. رَدُّنا ليسَ بالصمت، بل بالإبداع… الثقافةُ هيَ رسالتُنا، وستبقى”.
المشهد لم يكن عادياً، بل سيمفونية وطنية صامتة، نُسجت تفاصيلها بدقة وإبداع، من توقيع المخرج اللبناني العالمي العائد من البرازيل جورج تقلا، والذي نال عن جهده وسام الاستحقاق اللبناني من فخامة الرئيس، في لفتة راقية تجسّد التقدير الرسمي للإبداع الحقيقي.
وقد عزفت “الأوركسترا الوطنية للراديو الرومانية” بقيادة المايسترو توفيق معتوق أنغام الحياة وسط الصمت، بينما أبدع في الغناء والكورال كوكبة من الأصوات الفرنسية واللبنانية، مزجوا بين التقاليد الأوروبية والروح الشرقية، فكانت “كارمن” كما لم تُعرض من قبل: غجريّة، حرّة، عاصفة، لكنّها هذه المرّة تحدّثت بلهجة لبنانية، وغنّت “يا ليلي يا ليل” من قلب قلعة ترفض الانحناء.
الأزياء حملت توقيع المصمّم العالمي ربيع كيروز، بينما وُضعت اللمسة البصرية والكوريغرافية بأنامل الفنان التشكيلي نبيل نحّاس، في عرضٍ مسرحي راقص تمازج فيه الشرق والغرب، واندمجت الأجساد بالحكاية، والضوء بالحلم.
“كارمن” بعلبك، لم تكن فقط عرضًا أوبيراليًا، بل مرآة لروح هذا الوطن. وطنٌ يُذبح كل يومٍ، لكنه يعرف كيف يُعيد نحت اسمه على الجدران القديمة، كيف يغنّي للحرية رغم الفقر، ويحتضن الفن كمن يحتضن ابنه العائد من الغربة.
وفي ظل هذا النجاح المبهر، تُطل الفنانة اللبنانية هبة طوجي لاحقًا، مع المؤلف أسامة الرحباني، لتُكمل ما بدأته “كارمن”، في موسمٍ يُثبت أنّ لبنان، من قلب بعلبك، لا يزال على خريطة الضوء.
بعلبك ليست مهرجانًا… بل وطنٌ يُقاوم بالجمال.
و”كارمن” لم تمُت، بل نهضت من رمادها، لتعلن أن الحُب أقوى من الحرب، وأن الطعنة لا تقتل من يغنّي للحرية.
بقلم: الاعلامي حسين الحاج
رئيس تحرير ميدان برس


