لبنان مقبرة الغزاة، وأرض لا تطأها الأقدام النجسة إلا مدحورة مهزومة.
هنا، لا سلطان إلا لكرامة الإنسان، ولا سيادة إلا لمن يفتديها بالدم، لا بالكلام.
إلى كلّ من تسوّل له نفسه أن يطرح على لسانه “ضم لبنان”، أو يتكلّم عن إدخال أنظمة أو شرائع دخيلة على وجدان هذا الشعب، نقول:
توقفوا.
توقفوا قبل أن تجرفكم لعنة الأرض التي لم تخضع يومًا إلا لله، والتي لفظت كل غازٍ ومحتلٍ، صغيرًا كان أم كبيرًا.
لبنان قاوم الاستعمار العثماني أربعة قرون، وثار عليه حتى طُرد، ورفض أن يكون تابعًا لسلطانه أو عباءته، وسُحلت الأجساد على مشانق جمال باشا، لكن الهامات لم تنحنِ.
ثم جاء الاستعمار الفرنسي، فكان له شباب لبنان بالمرصاد: من جبل عامل، إلى بيروت، طرابلس، وصيدا… قاوموه حتى دفعوا ثمن الحرية دمًا، وحققوا الاستقلال في 22 تشرين الثاني 1943، وخرجت فرنسا ذليلةً تحت ضربات المقاومين الأحرار.
وفي 1982، حين اجتاحت “إسرائيل” بيروت، لم يحمِ لبنان حلفٌ دولي، بل شباب لم يكن في يدهم إلا الإيمان. قاتلوها، فكُسرت هيبتها، ودُفنت أسطورتها في الضاحية وصيدا والنبطية وصور والجنوب.
ثم جاءت أميركا بكل جبروتها، وأنزلت المارينز، فكان الردّ: نارٌ في 1984، ودماء، وأشلاء، جعلت من بيروت جحيمًا تحت أقدامهم. هربوا تحت الظلام، ولن يعودوا.
وفي 2000، اندحرت “إسرائيل” من الجنوب مذلولة، من دون قيد أو شرط، بعدما عجزت دباباتها وطائراتها عن إخضاع أهل الأرض.
وفي 2006، صمد لبنان 33 يومًا بوجه العدوان، وكتب التاريخ نصرًا جديدًا للمقاومة، التي واجهت وحدها أشرس عدوان عالمي.
وفي 2017، في “فجر الجرود”، سحق لبنان إرهاب “داعش”، ببطولة الجيش اللبناني الباسل، وصمود أبناء المقاومة، وبسالة عشائر البقاع الشرفاء الذين حموا الأرض والعرض، ووقفوا سدًا منيعًا بوجه الإرهاب، ومعهم أهالي البقاع الصامدون، الذين لم يهابوا سكينًا ولا حزامًا ناسفًا.
فهل بعد كل هذا، يأتي من يتوهّم أن لبنان قابل للضم؟ أو أنه ممرّ مفتوح للمشاريع؟
هل يظن الواهمون أن شعب لبنان يُحكم بالتخويف أو التهديد؟!
من دحر العثماني، وطرد الفرنسي، ومرّغ أنف الأميركي، وكسر شوكة الصهيوني، وسحق الداعشي… لن يركع لأحد.
شباب لبنان ليسوا رعاعًا… بل أبناء مقاومة، أبًا عن جد.
هم أحفاد من علّقهم جمال باشا على المشانق، وأبناء من فجّروا دبابات الاحتلال في خلدة، ومن واجهوا “إسرائيل” على تلال فاطمة، ومن كسروا الإرهاب في جرود رأس بعلبك والقاع.
لبنان ليس بحاجة لدروس في “الشرع”، ولا في “السيادة”، ولا في “الدستور”.
نحن من كتبنا السيادة بدمائنا، وحرّرنا الأرض بلا استئذان من أحد، ولا بقرار من مجلس أمن أو مرجعية دولية.
لبنان ليس ضعيفًا… هو فقط صامت حين تكثر الغربان.
فلا تختبروا صبر هذا الشعب. لأن من قال ويقول:
“هيهات منّا الذلة”
لا يُساوم، لا يُخدع، ولا يُؤخذ على حين غرّة.
ولمن يراهن على تعبنا، نقول:
نحن لا نتعب… نحن نُبعث من دمائنا ألف مرة، ونُحارب بكل جيل، بكل حجر، وبكل نفس.
احذروا… لبنان ليس حديقة خلفية لأحد.
لبنان هو السدّ… هو النار… هو الرصاص… هو العلم الذي لن يسقط، مهما طال الزمان، أو اجتمع الخبثاء.
الإعلامي حسين الحاج
رئيس تحرير موقع ميدان برس