زلزال الشرق: حين يكتب الدمُ تاريخاً لا يُمحى

​استفاق العالم اليوم على حقيقةٍ لم يعد بالإمكان حجبها، وعلى نصرٍ مزلزلٍ تجاوز حدود الجغرافيا ليدخل ردهات التاريخ من أوسع أبوابه. إنه فجر الكرامة الذي أعلنته إيران ومحور المقاومة من لبنان والعراق واليمن؛ هذا المحور الذي بذل الغالي والنفيس، واختصر المسافات بالتضحيات، ليُعيد ترسيخ المعادلة الذهبية التي أرسى قواعدها الأحرار: إن ما أُخذ بالقوة، لا يُسترد بغير القوة.
​إن ما حققته إيران اليوم ليس مجرد إنجازٍ عسكري أو سياسي عابر، بل هو كسرٌ صريح لصنم الاستكبار العالمي، وإعلاءٌ لراية الحق فوق عروش الباطل. لقد سقطت أوهام التفوق، وتهاوت معها غطرسة القوى التي ظنت أنها تتحكم بمصائر الشعوب، ليحل محلها زمنٌ لا يُسمع فيه إلا صوت الإرادة الحرة.
​وفي قلب هذه الملحمة، يقف لبنان بمقاومته الشرسة التي لا تعرف الانحناء، حيث أثبت مقاتلوها أنهم أسياد الميدان، وأن السلاح في أيديهم هو لسان الحق الذي لا يخطئ. ببراعة التكتيك وعمق الصبر وصمود الأهالي الأسطوري، وجهت المقاومة للعدو صفعةً تلو الأخرى، مؤكدةً أن جسدها عصيٌّ على الإضعاف، وأن كلمة “هزيمة” قد حُذفت تماماً من قاموس رجالٍ يرون في الموت حياةً وفي المواجهة عزاً لا ينقطع.
​ومن بلاد الرافدين، تجلت شيم النخوة في شعب العراق العظيم؛ أصحاب القلوب الرحبة والغيرة المتأصلة، الذين سارعوا لتلبية نداء الحق مقتدين بفتوى المرجعية الرشيدة للسيد السيستاني (دام ظله). لقد قدم العراق قوافل الشهداء وبذل الأموال بسخاءٍ لا نظير له، فكانت مواكبهم الحسينية وقفات عزة وكرامة إنسانية، أثبتوا من خلالها للعالم أجمع أن الرجال تُعرف في الميادين، وأن العراق سيبقى دائماً قلعة الشموخ التي لا تُهزم.
​وعلى خطى الثبات، برز اليمن كالسند الشامخ الذي لم يتزحزح، معلناً بتكاتفه وتضحياته أنه ركنٌ أساسي في هذا المحور، وأنه القوة التي لا تلين في وجه الظلم، ليرسم مع إخوته لوحة الوحدة في أبهى صورها.
​ولم يكتمل هذا المشهد إلا بمواقف الحلفاء الدوليين، روسيا والصين، الذين أثبتوا بوقوفهم في وجه الهيمنة الغربية، لا سيما في أروقة مجلس الأمن، أن اليد التي تُوضع بيد الصادقين لا تُكسر، وأن التحالفات المبنية على الاحترام والمصالح المشتركة هي التي تصمد أمام عواصف الزيف والتبعية.
​إننا اليوم لا نحتفل بمجرد انتصار، بل نشهد ولادة عالم جديد، عالمٍ لا مكان فيه للضعفاء، ولا سيادة فيه إلا لمن يملك الجرأة على قول “لا” في وجه الطغيان. لقد كُتب التاريخ اليوم بدماء المقاومين وصبر الشعوب، ولن يجرؤ أحدٌ بعد الآن على محوه.
الاعلامي حسين الحاج رئيس تحرير ميدان برس