منسق عام باقون
الاستاذ ركان الضيقة
17 كانون الثاني 2026
ما يجري على طريق ضهر
البيدر لم يعد إهمالًا عابرًا ولا خللًا تقنيًا، بل جريمة دولة موصوفة تُرتكب منذ سنوات بحق البقاع، وبحق كل لبناني يضطر لعبور هذا الشريان الحيوي يوميًا. طريق تُحصد عليها الأرواح، وتُستنزف عبرها أعصاب الناس وأرزاقهم، فيما الدولة تعرف، وتراقب، وتصمت.
الحكومات المتعاقبة تتحمّل المسؤولية الكاملة والمباشرة عن كل حادث سير، وكل قتيل، وكل جريح، وكل ساعة إذلال يعيشها المواطن على هذا الطريق. لا أعذار بعد اليوم، ولا مبررات، ولا مكان للاختباء خلف التمويل أو الطقس أو الروتين الإداري. الإهمال هنا مزمن ومقصود.
نسمع عن طريق ضهر البيدر مرة كل أربع سنوات، في مواسم الانتخابات فقط. عندها تُستحضر المعاناة، ويُتاجر بالدم، وتُطلق الوعود، ثم يُطوى الملف فور انتهاء الاستحقاق. هذا ليس فشلًا… بل نفاق سياسي كامل الأوصاف.
شريان دولي يُدار بعقلية الإهمال
ضهر البيدر هي الطريق الدولية البرية الوحيدة التي تربط لبنان بالبقاع وبالعمق العربي، وهي المسلك اليومي لأكثر من مليون لبناني بشكل مباشر أو غير مباشر. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 80 و100 ألف مواطن يسلكونها يوميًا للذهاب إلى أعمالهم وجامعاتهم ومصالحهم.
ومع ذلك:
غياب شبه تام للإنارة
انعدام الصيانة الدورية
طرقات محفّرة وخطرة
غياب حواجز الأمان
فوضى شاحنات
لا خطط ثلوج
ولا أي إدارة طوارئ
أي دولة هذه التي تعرف حجم الخطر وتترك مواطنيها يواجهون الموت كل صباح؟
أرقام الدم لا تُكذّب
في لبنان، يسقط سنويًا ما بين 350 و450 قتيلًا نتيجة حوادث السير، إضافة إلى آلاف الجرحى والإصابات الدائمة. وتُسجَّل الطرق الدولية والجبلية، وفي مقدّمها ضهر البيدر، ضمن أعلى نسب الحوادث القاتلة بسبب الإهمال البنيوي المعروف.
هذه الأرقام موثّقة.
والتحذيرات رُفعت مرارًا.
لكن القرار غائب… والمحاسبة معدومة.
شريان اقتصادي يُخنق
ضهر البيدر ليست طريق موظفين فقط، بل ممر اقتصادي أساسي تمرّ عبره:
المنتجات الزراعية من البقاع
الشاحنات التجارية
حركة الاستيراد والتصدير البري
المواد الغذائية والأساسية
أي تعطيل أو خلل على هذه الطريق يكلّف الاقتصاد اللبناني ملايين٧ الدولارات، ويضرب المزارعين والتجار والعمال مباشرة. ومع ذلك، لا تُعامل كأولوية وطنية، بل كملف قابل للتأجيل.
الإهمال شامل… لكن الجريمة هنا أكبر
نعم، الإهمال طال الجنوب، والشمال، والبقاع، وكل الأطراف. لكن الخطير أن السلطة تناست أن طريق ضهر البيدر ليست مطلبًا مناطقيًا، بل شريان دولة. من يُهملها لا يُهمل البقاع فقط، بل يضرب وحدة لبنان الاقتصادية والاجتماعية.
المسؤولية تقع على:
الحكومات المتعاقبة
وزارة الأشغال
الجهات الرقابية
وكل نائب ووزير مرّ ولم يفعل شيئًا
الصمت هنا شراكة في الجريمة.
والتقاعس هنا قتل بالإهمال.
طريق ضهر البيدر لا تحتاج خطابات.
تحتاج قرارًا.
تحتاج محاسبة.
وتحتاج دولة… لا سلطة مواسم.
أما الاستمرار بهذا النهج،
فهو إعلان صريح أن حياة المواطن
أرخص من الإهمال.